سمٌ بلا عسل: هل يستلزم الحب أن نتقبَّل أذى الآخر؟

سمٌ بلا عسل: هل يستلزم الحب أن نتقبَّل أذى الآخر؟

ربما يصح القول على أجيالنا الحالية أجيالًا رومانسية لدى تعاملها مع الحب والعلاقات مع الآخرين. يكفي أن تتصفح آراء مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي من الشباب لتعلم كيف يفكرون في العلاقات وكيف يعبِّر الحب عن نفسه خلال لغتهم وعلاقاتهم، كيف يرتبط الحب لديهم ببعض المفاهيم «الغريبة»، التي تروج لها الرومانسية كثيرًا. وتشمل تلك المفاهيم الغريبة أن الحب يشمل تقبُّل الآخر بشكل «كامل»، وتقبُّل بذاءته معك وإلا لن يكون حبك كاملًا. ولقد وجدت أن فض الاشتباك في تلك المنطقة الشائكة لهو أمر ضروري من أجل السلامة النفسية لكل طرف في علاقة بين اثنين أو أكثر.

الرومانسية، التأصيل للمفهوم

تُعرَّف الرومانسية طبقًا للموسوعة البريطانية بأنها توجه أو حركة فكرية اتسم بها عدد من الأعمال الأدبية والفنية في الحضارة الغربية في الفترة التي تتراوح بين منتصف القرن الثامن عشر إلى منتصف القرن التاسع عشر. نُظر للرومانسية على أنها حركة فكرية تلفظ الهوس بالنظام والتناغم والعقلانية الغربية الظاهرة في الحركات الفنية الكلاسيكية. كما أنها رفضت قيم التنوير وعقلانية القرن الثامن عشر، ورفضت النزعة المادية بشكل عام.

وبينما رفضت الرومانسية كل تلك الأفكار المناوئة لها، أكدت على دور الفرد وحريته، وأكدت على العاطفة في مواجهة الفكر والعقل، على العفوية والخيال والشخصانية. تقدِّس الرومانسية كل ما هو طبيعي، فكل طبيعي جميل بالنسبة للرومانسية. كما تحتفي الرومانسية بالعاطفة على العقل وبالحواس على الفكر وتهتم بمزاجية الإنسان وتقلباته الشعورية، وتهتم بالخارق للعادة والصفات البطولية والعبقرية في الأفراد.

الرومانسية كفرٌ بمجتمع متهالك

لقد كانت العلاقة بين المجتمع والفرد محور الدراسات الاجتماعية منذ نشأة علم الاجتماع. تتغير سلوكيات الفرد حسب سياق وجوده، فقد يفكر بشكل ما في عزلته بصورة تختلف عن تفكيره أثناء تواجده في المجتمع. وكما يرى إميل دوركايم، فإن المجتمع يمثُّل بناءً يقوم كل ركن فيه بوظيفة معينة تحفظ سلامة البناء ككل [البنائية الوظيفية]. ولهذا، يفرض المجتمع على أفراده عددًا من الأعراف والقوانين الصامتة، التي لا تتحدث عن نفسها بشكل منطوق ولكن عبئها يقع على الجميع. وكلما تراكم على تلك القوانين غبار الزمن وصارت عتيقة كالآثار، قدَّسها المجتمع بصفتها صالحة ومفيدة لبقائه وتماسكه.

تبدأ الأزمة عندما تتقادم تلك الفروض والقوانين، ولا تصير صالحة للمستجدات الطارئة على المجتمع. كأن يتحول المجتمع من الحالة البدائية إلى الحالة الزراعية المستقرة، أو أن يتحول من الحالة ما قبل الحداثية إلى الحالة الحداثية بفعل التقدُّم الصناعي والارتحال من الريف إلى المدينة. تفرض الظروف الجديدة للمجتمع إعدادات تحتاج إلى تطوير إيديولوجي، أو تغيُّرات في الأفكار التي لم تعد متناسبة مع الحالة الجديدة للمجتمع، فالأمر يشبه أن يسافر شخص من العصور الوسطى، محمَّلًا بأفكار تلك الفترة إلى نيويورك، ويتحدث مع شباب تلك البقعة من العالم، ثم يتعجب أنهم لا يفهمونه.

يلجأ الشباب إلى الرومانسية رفضًا للقيم والأعراف التي يقدِّسها الكبار، ورفضًا للفروض واللوازم التي تنفي حرياتهم الأساسية في تقرير مصيرهم احتكامًا للعقل، فتكون الرومانسية بالنسبة لهم مرانًا في مضمار الحرية الذاتية. فيرفضون تمسُّك الكبار بالمعايير الاجتماعية في اختيار شريك الحياة وتراضي العائلات دون النظر أصلًا إلى تفضيلات هؤلاء الشباب. كما يتمردون على آداب المجتمع واصفين إياه بالتصنُّع والنفاق، بل قد يصل الأمر إلى الإلحاد بأي فكرة يعززها المجتمع، كما يصفها الفيلسوف فتحي المسكيني في كتابه «الهجرة إلى الإنسانية» بعنوان [المراهقة الملحدة أو ماذا تبقى من الأب؟].

تمثِّل الرومانسية صرخة شبابية تعلن أنها لن تعيش في جلباب الأب. وبتقديس الطبيعة والمشاعر، ترفض الرومانسية الآداب، ترفض أخلاق الأسرة، التي تغزَّل بها الشاعر حافظ إبراهيم قائلًا إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا. يقول الصغار «تقبَّلني كما أنا» رغبة منهم في جني القبول من الآخرين بعد اجتثاثه من تربة الحياة الأسرية، ولكن هل «تقبَّلني كما أنا» بمثابة مانيفستو يبيح كل المحظورات من احترام الآخر وعدم إهانته؟ هل يستلزم الحب أن نتقبَّل مزاجية الآخر وألفاظه الجارحة عندما يشعر بالاضطراب؟

الإهانة مقياسًا للحميمية أو هل يجتمع الحب والإهانة فعلًا؟

انتشر في الآونة الأخيرة مصطلح «العلاقات السامة»، للتعبير عن علاقة ارتباط حميمي بين فتى وفتاة، يقوم طرف فيها [الفتى غالبًا] بالإساءة المتعمدة للفتاة مبررًا ذلك بالحب، فيخدع بذلك الفتاة ويشوش رؤيتها للواقع، فتتلقى منه الأذى بصدرٍ رحب، وترى أن تقبُّلها لهذا الأذى تعبيرًا عن الحب والإخلاص. بل إن انتشار صيحات «الباد بوي [الفتى السيء]»، التي تعجب فيها الفتيات بنموذج من الفتيان الوقحين الذين يفطرونها ويعشونها بوابل من الإهانات لهو عَرَض آخر جدير بالنظر.

ولكن استخدام تلك الأساليب لا يندرج تحت بند قياس عمق العلاقة وحميميتها فحسب، بل ربما يستخدمه أحد طرفي العلاقة لخداع الطرف الآخر ليقع بحبه. أظهرت الأبحاث التي أجراها إيليني والستر في عام 1965 حول تأثير قلة الثقة بالنفس على التعامل مع الخطوات الرومانسية من طرف آخر. نظمت التجربة مجموعة من المشاركات للتعامل مع ذكر بدأ بمغازلتهن. وأعطي للسيدات نتيجة اختبار شخصية أجرينه، بالسلب أو بالإيجاب، ثم تقييم مدى إعجابهم بالذكر المشارك في التجربة.

أشارت الدراسة إلى تأثير ثقة المرأة بنفسها على إعجابها بالذكر. فقد أعجبت السيدات اللاتي أظهرن ثقة أقل بالنفس بصفة مؤقتة بالذكر بشكل أكبر، وبالتالي فإن السيدات اللاتي تعرَّضن لأي نوع من التقليل والإهانة من طرف ما، قد تشعرن بالمزيد من الانجذاب الجنسي تجاه هذا الشخص. فسَّر والستر ذلك بسببين؛ الأول أن الأفراد الذين يشعرون بالنقص تقل متطلباتهم في شريك حياتهم، أو اللاتي قلت ثقتهن بأنفسهن لا تتطلبن «سوبرمان»، فتعجبن بالذكر بسهولة. والسبب الثاني، أن الشخص الذي يشعر بشح ثقته بنفسه يميل إلى نيل القبول والعاطفة من الآخرين، ويتعاظم خضوعه لهم بصفة عامة.

العلاقات: سامة أم سائلة؟

ما الذي يربط سُمية العلاقة بسيولتها؟ صاغ المنظّر الاجتماعي والفيلسوف البولندي زيجمونت باومان مصطلح «السيولة» وعبَّر عنه في تشكُّلاته المختلفة في كتبه. ترتبط سمية العلاقة بسيولتها عبر فكرة مشتركة ألا وهي الاستمرارية. فبينما ينبهر الشباب والفتيات بلهيب اللحظات الأولى في العلاقة، تفرض العلاقة مستلزماتها. واللازمة الأولى التي تأتي أمام الطرفين المشاركين في العلاقة هي الاستمرارية، باعتبارها الركيزة الأولى لقيام العلاقة.

ولهذا، فبينما قد يضمن الخداع الذي وصفته آنفًا انجذاب طرف أضعف إلى طرف آخر مخادع، إلا أنه لا يضمن استمرار علاقة صحية للطرفين على المدى الطويل. فإن قبول الإهانة أو الأذى المستمر يساهم في إضعاف ثقة الفرد بنفسه بصورة مستمرة، ومع هشاشة تلك الثقة باستمرار، يعجز الفرد عن اتخاذ قرارت حياته بنفسه، ويصير اعتماديًا على الطرف الآخر بصورة كاملة، وهذا يضر بالطرفين، بل وقد ينفر منه الطرف الآخر الذي قام بخداعه من البداية، وتنتهي العلاقة بالفشل.

«الخلاصة المزعجة التي يحتاج إليها أهل الحياة الحديثة أشد الاحتياج لا تقل لهم كيف يبدؤون أمرًا يشرعون فيه، بل كيف ينهونه ويختمونه. وهكذا نجد كاتبًا آخر في صحيفة الأوبزرفر يسرد في حس ساخر قائمة القواعد الجديدة التي تعين المرء على إنهاء العلاقة الإنسانية (وهي العلاقات التي يستعصى إنهاؤها عن غيرها، وإن كان أطراف العلاقة يرجون إنهاءها، وغالبًا ما يحاربون في سبيل ذلك، بل ويحرصون كل الحرص على الاستعانة بأهل الخبرة). وتبدأ القائمة بقاعدة تقول ادخل في علاقة جديدة أو لا تتذكر الفضل بينكما، واحذف كافة المراسلات الإلكترونية. ويسود القائمة تشديد على ضرورة النسيان والحذف والإسقاط والاستبدال»

-زيجمونت باومان، الحياة السائلة

يرى باومان أن سرعة التحلل من العلاقات وباء أصاب العصر الحديث السائل. وربما تكون المشكلة صحيحة إذا كانت في سياق مفردات مثل «السأم» أو «الملل» من العلاقة والانحلال منها لأن طرفًا ما فقد دوافع الاستمرار دون مبررات مقنعة. ولكن التحلل من علاقة سامة يتعمد فيها طرف ما إيذاء الطرف الآخر بشكل مطرد لهو إنقاذ للطرف المهضوم ليدخل في علاقة صحية مبنية على الدعم والحب المتبادلين، أي علاقة تضمن استمرارها على أسس صحية لقيام العلاقات، لأن القبول بهذا الأذى إنما يضر العلاقة نفسها قبل أن يضر شيئًا آخر.

كما تفقد المدونات النسوية الحس الوسطي عند كتابة المقالات والتدوينات عن «العلاقات السامة»، فترى أنها تصنف العلاقة تحت بند السمية عندما يعبر الرجل في العلاقة عن انطباعه في شيء ما يخص شريكته بالنقد، فليس مطلوبًا من الرجل أن يكون ناقدًا خوفًا من الاتهام بالسُميّة، فالتدوينات من هذا النوع إنما تخلق صورة ذهنية للرجل المثالي كآلة إنتاج مغازلات رقيقة لطيفة دون ترك انطباعات لشريكته لتعمل عليها وتنتبه لها دون أن يسيء لها، ولا تكتفي بتقليم أظافر الرجل فقط، بل تقتلع الأظافر من جذورها خوفًا من نموها ثانية، فيتحول الرجل إلى مسخ بلا رأي في العلاقة خوفًا من أن يكون رجلًا سامًا.

نزع السحر عن السم

تفكيك الاحتكام إلى الطبيعة

يبني ذلك الاعتقاد بتقبُّل الآخر بالكامل على الأفكار الرومانسية المذكورة في بداية المقال، مثل تغليب الاندفاع على التعقُّل، وتقديس الحالة الطبيعية التي لا تضع منقيات أو مراقبات على الألفاظ. ولكن هل الاحتكام إلى الطبيعة دائمًا في محله؟ بالنظر إلى حال الإنسان الآن، فإنه يظهر بوضوح أن الحالة الطبيعية لغم. فالإنسان يخفي جسده [الطبيعي] عبر الملابس، ولا يعيش في الأرض بل يسكن البيوت. وقد صاغ المنطقيون مغالطة «الاحتكام إلى الطبيعة» للتعبير عن العوار الفكري الذي يقع فيه بعض الناس بالمساواة بين الطبيعي والجيد، مشددين على أن الطبيعي لا يكون جيدًا دائمًا.

ولكن هذا الإفراط في مقت الطبيعة بالذات ما دفع الشباب إلى الرومانسية. إذ يتوق الرومانسي إلى حالة خالية من القواعد المكبِّلة لحركته ذهابًا وإيابًا، ولا يجد سوى علاقة الحب ليمارس فيها تلك الحرية. فبدلًا من الانغماس في الحب لنيل حرية إيجابية تؤهل المرء إلى معرفة ذاته وممارسة حريته في العالم الخارجي، يلجأ البعض إلى ممارسة الحرية بإهانة الآخر، أو في الإهانة المتبادلة بين الطرفين، أو في أي شكل من العلاقات غير الصحية التي تتغنى بـ«تقبُّل الآخر كاملًا».

فن الحب لدى إريك فروم

تدور أطروحة إريك فروم في كتابه «فن الحب» حول تعزيز قيمة الحب في مقابل الرومانسية التي سلبت من الحب بعض خصاله وطعَّمته بنزعة تمردية على كل شيء. فالحب بالنسبة لإريك فروم ليس وقوعًا، فلا ننكر الجانب الشعوري من الحب، ولكن الوقوع مفهوم رومانسي، قد يحدث أو لا، أما الحب فليس في الوقوع، فلا وقوع في الحب، بل إن الحب ينهض بطرفي علاقة تعاهدا على أن يكون هذا الحب ميثاقًا بينهما.

«حريّ بنا التشديد على أن القدرة على الحب فعل عطاء، وهذا الفعل يتوقف على طبيعة تطور الشخص. إذ تفترض اجتيازه لنزوع سائد، وفيه يكون الشخص قد قهر التبعية والشمولية والنرجسية واستغلال الآخرين. وبجانب عنصر العطاء، فإن الطابع الإيجابي للحب يتضمن الرعاية والمسؤولية والاحترام ومعرفة الطرف الآخر».

-إريك فروم، فن الحب

أما عن الاحترام والمسؤولية، فإنما ينبعان من نظرة مجلّة للطرف الآخر، نابعة من المشاعر التي حركته نحوه، وهذه المشاعر نابعة من الحب. فإذا كان الحب موجودًا، ستكون تلك العفوية التي تدعو لها الرومانسية دالة على الحب دائمًا، وحنونة على كل منهما دائمًا، ولن يشرع طرف من الطرفين بإيذاء الطرف الآخر محتجًا بأن هذا الفعل من الحب، ومثل تلك العلاقة في نظر إريك فروم تُسمى بالعلاقة السادومازوخية، التي يستلذ طرف منها بالهيمنة على الطرف الآخر ويستلذ طرف آخر بالخضوع.

وفي ذلك يقول فروم: «إن السادي تابع معتمد على الخاضع له، شأنه في ذلك شأن خضوع الأخير له، كل منهما لا يستطيع أن يحيا دون الآخر».

ربما يصعب على المرء إدراك دس السم في العسل، فمن سيفكر مرتين قبل اشتهاء العسل اللذيذ حلو الطعم؟ ولكن الأذى أو الإهانة باسم الحب والصداقة أو أي نوع من العلاقات الحميمية، كل تلك الممارسات تمثل سمًا صريحًا يعيطك إياه الآخر طالبًا منك تناوله كاملًا، رافضًا أن تتذوقه وتبدي رأيك، فإبداء الرأي يعني أنك لا تحبه بما فيه الكفاية.

kasmi39

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *