جهاز التنفّس الصناعي الجهاز الأكثر طلبًا في العالم، ما هو هذا الجهاز وما هو دوره في أزمتنا الأخيرة؟

جهاز التنفّس الصناعي الجهاز الأكثر طلبًا في العالم، ما هو هذا الجهاز وما هو دوره في أزمتنا الأخيرة؟

مع انشغال البشر بمهام حياتهم اليومية، حلَّ علينا زائر بيولوجي بشكل مفاجئ يُدعى “كوفيد-19” لم يُفرّق بين الضحايا وأربك أفضل الأنظمة الصحية في العالم للسيطرة عليه، وأثناء بحث الدول في إيجاد لقاحٍ عاجل لكبح جماح هذا الوباء، انتشر الفيروس بسرعة كبيرة في مجتمعاتنا ولم يكن لدى السلطات والجهات الصحية الوقت الكافي للتوقّف والتقاط الأنفاس يستهدف الحلق والرئتين ولا علاج حتى الآن يمكن للأطباء التحكّم فقط في أعراض العدوى، بالنسبة للحالات الخفيفة يتطلّب من المرضى أخذ راحة طويلة وزيادة شرب السوائل، وتناول المُسكّنات في حال ظهور الأعراض.

لكن في الحالات الحرجة، يُصبح جهاز طبي حيوي لا غنى عنه بارقة الأمل في إنقاذ حياة هؤلاء المرضى يُدعى جهاز التنفّس الصناعي “Ventilator”، يقول برايان أوليفر الباحث في أمراض الجهاز التنفسي بجامعة سيدني للتكنولوجيا في أستراليا: “يُمثّل جهاز التنفس الصناعي الفارق بين الحياة أو الموت للمرضى الذين يعانون من كوفيد-19، جهاز التنفّس الصناعي هو الجندي المجهول في معركتنا مع فيروس كورونا التي نعيشها اليوم كثير من الدول الكبرى تضرّرت ولم تسعفها الأعوام الفائتة في الاهتمام بهذا القطّاع بالشكل المناسب ولم تحظَ بالوقت الكافي للاستعداد وتجهيز عدد أكبر من هذه الأجهزة، ما هو جهاز التنفس الصناعي وكيف بدأ وما هو دوره في الأزمة الحالية؟

ما هو جهاز التنفس الصناعي؟

جهاز التنفس الصناعي

جهاز التنفّس الصناعي عبارة عن آلة طبية تُساعد المرضى على التنفّس، حيث تدفع الأوكسجين إلى الرئتين وتزيل ثاني أكسيد الكربون، يدخل الهواء إلى الرئتين من خلال أنبوب التنفّس والذي يتم توصيل أحد طرفيه بالجهاز والطرف الآخر يمر عبر الفم أو الأنف وتُسمّى عملية إدخال الأنبوب هذه بـالتنبيب أو “Intubation”.

لمحة تاريخية عن جهاز التنفس الصناعي

جهاز التنفس الصناعي

في آواخر القرن التاسع عشر، كانت أجهزة التنفّس الصناعي موجودة ولكنّها كانت أقل تعقيدًا من الناحية الميكانيكية، واستخدمنا هذه الأجهزة بشكل كبير أثناء انتشار وباء فيروس شلل الأطفال الذي ظهر في عشرينات القرن الماضي، حيث يتسلّل الفيروس إلى الجهاز العصبي ويُسبّب تلفًا في الأنسجة العصبية والتي تؤدي إلى حدوث الشلل وتجميد العضلات اللازمة لعمليات التنفّس، لذا لم يكن بمقدور المرضى التنفس بشكل صحيح.

ألهم الفيروس حينها العلماء في اختراع خزانات اسطوانية عملاقة كانت الرئة الحديدية عبارة عن جهاز -تنفّس صناعي يعمل بالضغط السلبي- يعمل عن طريق فرق الضغط داخل الخزان، وعندما اجتاح شلل الأطفال مدينة كوبنهاجن في فترة الخمسينات من القرن الماضي، كانت طريقة التنفّس الصناعي أكثر كفاءةً من سابقاتها، حيث قام طبيب تخدير يدعى بيورن ابسن من تثبيت بروتوكول جديد في المستشفيات المكتظة بالمرضى، من خلال قيام 1500 طالب من طلاب الطب بعمليات التنفّس الصناعي لمرضى شلل الأطفال بواسطة حقيبة قابلة للنفخ، وكانوا يضخّون الهواء يدويًا إلى الرئة، وقبل نهاية فترة الخمسينات، ابتكر مخترع أمريكي يدعى فورست بيرد أول جهاز تنفّس صناعي موثوق به بين الأطباء، كان الجهاز بحجم صندوق الأحذية مما جعل حجمه يتناسب مع أسِرَّة المستشفيات، وكان لاختراع بيرد الفضل في انقاذ ملايين أرواح المرضى.

اليوم أصبحت أجهزة التنفّس الصناعي أصغر وأكثر تعقيدًا، وغالبًا ما يتم استخدامها أثناء العمليات الجراحية لدعم تنفّس المريض عند التخدير، كما أنّها ضرورية أيضًا للمرضى الذين يعانون من متلازمة الضائقة التنفسية الحادة “ARDS”، وأصبحت رعاية المرضى أسهل بفضل التحديثات التقنية الكبيرة التي طرأت عليها، حيث نرى داخلها أجهزة الاستشعار عن بعد والدوائر الكهربية والإنذارات المدمجة بداخلها لتنبيه العاملين في مجال الرعاية الصحية عن حالة تنفّس المريض وساهمت بشكلٍ كبير في تطوير عملية التنفّس الصناعي.

ما هي الرئة البشرية؟ وما هي كيفية عملها؟

جهاز التنفس الصناعي

تضم الرئة البشرية ملايين الحويصلات الهوائية، تقول ايلينا شنايدر خبيرة صحة الرئة بجامعة ملبورن في أستراليا: “لدى كل شخص حوالي 300 مليون من الحويصلات الهوائية، كل واحدة منها مُحاطة بأوعية دموية صغيرة جدًا.” حيث يتم تبادل الغازات داخل هذه الأوعية الدموية، وتضيف قائلةً: “عندما نتنفّس الهواء تمتلئ الحويصلات الهوائية مثل البالون”. يمر الأكسجين من خلال الأوعية الدموية ويُنقل إلى جميع أجزاء الجسم، بينما يتدفق ثاني أكسيد الكربون الموجود في الدم إلى هذه الأكياس وحتى تحدث جميع هذه العمليات يجب على الجسم أنْ يخلق فرقًا في الضغط، فأثناء عملية التنفّس تنقبض عضلات الصدر والبطن التي تخفّض من نسبة الضغط في الداخل، وتسمح للرئتين بالتمدد والتعبئة بالهواء بينما يحدث العكس في عملية الزفير، تسترخي العضلات ويزداد الضغط على الرئتين مما يدفع بثاني أكسيد الكربون إلى الخارج.

لماذا يحتاج مرضى كوفيد-19 إلى جهاز التنفس الصناعي؟

جهاز التنفس الصناعي

عند الإصابة بفيروس كوفيد-19 يتم تعطيل هذه العمليات التي تحدث داخل الرئتين حيث يصيب الفيروس الحويصلات الهوائية مما يجعل الجسم يطلب المساعدة من جهاز المناعة بإنتاج الأجسام المضادة لمحاربة الفيروس، لكن في بعض الأحيان يمكن أنْ تسير عملية الاستجابة بشكلٍ مفرط وتقوم بإتلاف الأنسجة الدموية، تؤدي الأنسجة التالفة إلى تسرّب السوائل والخلايا الدموية داخل الحويصلات الهوائية -مثل ملء البالونات بالماء- وبالتالي تقلّل من كمية الأكسجين التي تحملها هذه الحويصلات، ويطلق على هذه الحالة الالتهاب الرئوي ويمكن أنْ تكون قاتلة.

عندما يرى الأطباء علامات لإصابة المرضى بفشل تنفّسي، كزيادة معدل التنفّس وارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون في الدم، يتم وضع أجهزة التنفّس الصناعي، قد تستغرق فترة التنفس الصناعي أسبوعًا حتى يبدأ المريض بالتنفّس عبر الرئتين مرة أخرى، وذلك وفقًا لتقرير علمي نشرته صحيفة الجارديان البريطانية. يتساءل بعض الأطباء حاليًا عن الدواعي الفعلية لاستخدام أجهزة التنفّس على بعض المرضى الذين يعانون من انخفاض مستويات الأكسجين في الدم وحسب آرائهم قد يستفيد الأطباء من أقنعة الأكسجين أو غيرها من الإجراءات الأقل خطورةً على صحة المريض قبل التحوّل إلى جهاز التنفس الصناعي.

نقصان عالمي كبير في أجهزة التنفس الصناعي

تواجه وزارات الصحة في جميع أنحاء العالم نقصًا مُروّعًا في أجهزة التنفّس الصناعي جراء تفشّي فيروس كوفيد-19. في العام الماضي كان هناك 77 ألف جهاز تنفّس لتلبية السوق العالمي بأكمله! -رقم مخيف بالفعل- في حين أنَّ مدينة نيويورك وحدها قد تحتاج إلى ما لا يقل عن 30 ألف جهاز تنفّس صناعي، فلا أحد لديه فكرة واضحة عن اجمالي الطلب العالمي على هذه الأجهزة قبل انتهاء الجائحة.

تشير التقديرات العالمية إلى أنَّ حوالي 5% من مرضى كوفيد-19 سيحتاجون إلى عناية مركّزة أي الحاجة إلى أجهزة التنفّس الصناعي، قد يبدو هذا الرقم صغيرًا، لكنَّ الأطباء في جميع أنحاء العالم يُحذّرون من عدم تحمّل أنظمة الرعاية الصحّية المزيد من المرضى في حال استمر انتشار الجائحة بهذه الوتيرة، وبسبب النقص الحاد في أجهزة التنفّس الصناعي في الدول الأكثر تضرّرًا مثل إيطاليا، كان العاملين في مجال الرعاية الصحّية هم من يقومون بإختيار من سيعيش بناءً على أعمار المرضى وسجلّاتهم الطبية، وبينما تكتشف الدول أنّه ليس لديها ما يكفي من هذه الأجهزة، فإنَّ تفشي جائحة كوفيد-19 كانت ملهمة لابتكار وإنتاج أجهزة تنفّس جديدة ومحسّنة، قد تتمكن من ابقاء هذا الفيروس تحت السيطرة حتى يتم إنتاج اللقاح الفعّال لكبح جماح هذا الفيروس والقضاء عليه.

ماذا فعلت شركة ميدترونيك؟

كشفت ميدترونيك إحدى أشهر الشركات المُصنّعة لأجهزة التنفّس الصناعي مع نهاية شهر مارس جميع المواصفات والوثائق السرية لتصاميمها الحالية والمستقبلية الخاصة بأجهزة التنفّس على موقعها الإلكتروني لجميع الشركات المُهتمة بتصنيع هذه الأجهزة.

كما قامت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية FDA قبل ثلاثة أيام، بإعطاء الموافقة الرسمية لتصنيع جهاز تنفّس صناعي جديد يُدعى “Coventor”، وهو عبارة عن تصميم جديد تم تطويره لأول مرة بواسطة باحثين وطلاب في كلية الطب بجامعة مينيسوتا الأمريكية. يسعى المشروع إلى تصنيع أجهزة تنفّس جديدة يمكن أنْ توفّر نفس المستوى من الرعاية التي تقدّمها أجهزة التنفّس الحالية لكنْ بتكلفة أقل بكثير وبإنتاجية عالية جدًا، وتقدّر تكلفتها 1,000$ للجهاز الواحد مقارنةً بتكلفة أجهزة التنفّس الحالية والتي تبلغ 20,000$  إلى 25,000$  للجهاز الواحد، كما أعلنت جامعة مينيسوتا أنّها ستجعل مواصفات Coventor مفتوحة المصدر بحيث يمكن تصنيعها عالميًا.

في النهاية أصبح جهاز التنفّس الصناعي رمزًا للأمل لدى العاملين في مجال الرعاية الصحّية في جميع أنحاء العالم وبعد ستين عامًا من عمل جهاز التنفس داخل المستشفيات بكفاءة وفعّالية يستنجد الجميع بهذا الجهاز مرّة أخرى لأداء أصعب مهمّة في القرن العشرين.. إنقاذ البشرية برمّتها.

kasmi39

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *